جان لوئيس بوركهارت

345

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

وليس للأمير من مظاهر الملوكية غير خفّيه التركيين الأصفرين اللذين لا بد له من انتعالهما جريا على التقاليد القديمة ، وغير طاقيته العربية الصغيرة . والتنافر ظاهر بين الخفين والطاقية وبين سائر لباسه البدوي . ولما كان لبس الطاقية لا يليق على شعر البدو الكث فقد اضطر الرجل أيضا إلى حلق رأسه . ويستخدم الأمير في داره رجلين أو ثلاثة نستطيع أن نسميهم موظفين أو عيونا يتجسسون له ما تحمل كل قافلة من عبيد وبضاعة على وجه الدقة . ويسكن الأمير القيف ، وهو غير شيخ الحداربة ، فهذا لا علاقة له بالحكومة التركية ، إنما ينتخبه القوم لتصريف شؤونهم الداخلية فحسب . ويمثل الحكومة التركية في سواكن جاب حكومي يسكن الجزيرة ويحمل لقب أغا . وهو يحكم المدينة ، ولكن يحد من سلطانه أشد الحد ما للحداربة من شوكة ونفوذ . وسلطانه اليوم لا يعتد به ، ولا بد أنه كان مثارا للازدراء الشديد قبل فتح محمد على لبلاد العرب . وباشا جدة وال على سواكن أيضا ، وله بهذه المثابة الحق في أن يرسل إليها ممثلا له ، وهو حق لم ينازع فيه السواكنية قط ولو أنهم ما زالوا يروون لك ما جرت عليه السنة القديمة في سواكن قبل أن تضم إلى جدة ، فقد كان لها وإليها الخاص المبعوث من القسطنطينية . وليس للأغا من سبيل إلى الاحتفاظ بالبقية الباقية من سلطانه إلا بمسالمة الأمير والتفاهم معه ، فهو يسمح له ، أو قل يساعده ، في أن يبتز بعض المال من المستضعفين بالقيف لقاء معاونة الأمير له على جباية المكوس بالجزيرة . وقد التزم الأغا في السنوات الأخيرة بجباية المكوس التي تحصل على تجارة البحر في سواكن ، وهو يدفع لخزانة الدولة في جدة كل عام 3200 ريال مقابل هذا الامتياز ، وأكبر الظن أن هذا يغلّ له ألفي ريال أو ثلاثة آلاف كل عام ، وقد يتضاعف هذا المبلغ لو جبيت المكوس بدقة ، ولكن الحدارية ، وهم أقدر الناس على أدائها ، قوم ضنينون بمالهم أشد الضن . وتجبى الضرائب على الواردات كلها ولا سيما سلع الهند وتوابلها التي ترسل إلى أسواق السودان ، وكذلك على السلع الواردة من السودان - وأهمها العبيد والخيل والتبغ - والتي تشحن في جدة